تحديات المرحلة الثانية من الاصلاح الاقتصادي في ضوء تقرير التنافس
الخميس 07 نوفمبر 2019 -11:23
منذ ايام قليلة صدر التقرير السنوي للتنافسية العالمية 2019 دافعا بالعديد من التساؤلات علي المستويين الدولي و الاقليمي و المحلي الي الساحة في ضوء ازمات عالمية حادة من حرب تجارية و بريكست و حرب عملات و تصاعد في ازمات الديون السيادية و ديون الشركات و تباطؤ في النمو الاقتصادي مما ساهم في طرح رؤية جديده للموقف الاقتصادي . وفقا للتقرير بلغ متوسط معدّل نقاط الاقتصادات البالغ عددها 141 اقتصاداً التي شملها التقرير61 نقطة، أي أنه يبعد حوالي 40 نقطة تقريباً من القيمة المثالية للمؤشر الا انه يزداد القلق من الفجوة التنافسية العالمية، إذ يواجه الاقتصاد العالمي احتمال حدوث تباطؤ. كما أن البيئة الجيوسياسية المتغيرة والتوترات التجارية المتصاعدة تزيد من حالة الغموض، والتي يمكن أن تسرّع بدورها من ذلك التباطؤ. و يبدو أن بعض الاقتصادات التي كانت ضمن الأفضل أداء هذا العام وفقًا لمؤشر التنافسية العالمية تستفيد من الخلاف التجاري من خلال تحويل مجرى تدفقات التجارة، بما في ذلك سنغافورة التي تحتل المرتبة الأولى وفيتنام التي تحتل المرتبة 67 حيث خلص تقرير التنافسية العالمية إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال حبيس دوامة من نمو الإنتاجية البطيء أو الثابت على الرغم من مرور عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية، وضخ البنوك المركزية لأكثر من 10 تريليونات دولار في حين أن هذه التدابير غير المسبوقة كانت فعالة في تجنب تفاقم أزمة الركود الاقتصادي، إلا أنها ليست كافية وحدها لتحفيز عملية تخصيص الموارد وتوجيهها نحو الاستثمارات التي تعزز من الإنتاجية في القطاعين العام والخاص. مع بدء تراجع تأثير وزخم السياسات النقدية، أصبح من المهم للاقتصادات أن تعتمد على السياسات المالية والحوافز العامة لتعزيز البحث والتطوير، وتعزيز مهارات القوى العاملة الحالية والمستقبلية، وتطوير بنية أساسية جديدة ودمج التقنيات الجديدة، إضافة إلى تدابير أخرى يتوجبّ اتخاذها لهذا لتعزيز الرخاء المشترك، يوصي التقرير بأربعة تدابير إضافية هي: زيادة تكافؤ الفرص، وتعزيز المنافسة العادلة، وتحديث النظم الضريبية وتكوينها، بالإضافة إلى تدابير الحماية الاجتماعية، وتشجيع الاستثمارات المعززة للقدرة التنافسية. وجود العديد من البلدان التنافسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يجعل هذه المنطقة أكثر المناطق تنافسية في العالم، تليها أوروبا وأمريكا الشمالية مباشرةً ، الا ان الابرز كان ان هناك 14 دولة من أصل 25 دولة في جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية حسنت مجموع نقاطها المتعلقة بالصحة بمعدل نقطتين أو أكثرـ قاطعةً بذلك أشواطًا كبيرة لسد الثغرات في متوسط العمر الصحي المتوقع مما يؤكد علي ان التوجه العالمي الحالي هو الدخول في الاسواق الاكثر فرصا في اتجاه النمو خاصة في القاره الافريقية التي تشهد فرص نمو هائله في ظل الاصلاحات الاقتصادية و الاستقرار السياسي و ضخ الاستثمارات خاصة الصينية بالاضافة الي الإصلاحات الرقمية و زيادة معدلات النمو و توافر الموارد الطبيعية الجهات الفاعلة الجديدة ترى فرصا في الاسواق الافريقيه؛ بسبب التركيبة السكانية والتطورات التى تظهر أن القارة السمراء ستلعب دوراً رئيسياً فى العالم ، غذت هذه الاتجاهات عصراً قصيراً من قصة “صعود أفريقيا”. إقليمياً يعتبر تقرير هذا العام الأفضل فيما يخص أداء الدول العربية، حيث شهدت غالبية الدول تحسناً في الترتيب العام ما عدا سلطنة عُمان ولبنان، واليمن و نجحت المنطقة العربية نجاحاً كبيراً في اللحاق بركب تقنية المعلومات والاتصالات، وقد أسست العديد من البلدان بنية تحتية سليمة. ولتحويل بلدان المنطقة إلى اقتصادات أكثر إبداعاً وابتكاراً، فعلى دول المنطقة زيادة استثماراتها في الموارد البشرية. وفقا للتقرير شهدت السنوات العشر الماضية اتخاذ زعماء عالميين إجراءات سريعة للتخفيف من حدة أسوأ نتائج الأزمة المالية العالمية، إلا أن هذا وحده لم يكن كافياً لتعزيز نمو الإنتاجية فمع بدء تراجع تأثير وزخم السياسات النقدية، يتوجب على صانعي السياسات إعادة النظر في مجموعة أدواتهم وتوسيع نطاقها لتشمل مجموعة من أدوات السياسات المالية والإصلاحات، والحوافز العامة . لكن ما يمكن ان تقراه بين ثنايا التقرير هو انه يعتبر تبني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتعزيز تكامل التكنولوجيا أمراً مهماً، لكن على صانعي السياسات الاستثمار بالتوازي في تطوير المهارات إذا كانوا يرغبون في توفير الفرص للجميع في عصر الثورة الصناعية الرابعة علما بانه لا تزال القدرة التنافسية أساسية لتحسين مستويات المعيشة، لكن يتوجب على صانعي السياسات النظر في سرعة واتجاه وجودة النمو معاً مع بزوغ فجر عام 2020بيانات التقرير أيضاً تكشف عن زيادة في عدم التكافؤ في الاقتصاد العالمي من عدة جوانب اهمها تركيز السوق و الفجوة في المهارات و حوكمة التكنولوجيا . تراجع قدرة الحكومات والبنوك المركزية على استخدام السياسة النقدية لتحفيز النمو الاقتصادي كان من مصادر القلق التي عكسها التقرير لهذا فإن اعتماد سياسات تعزز من القدرة التنافسية، وقادرة على تحسين الإنتاجية وتشجيع الحراك الاجتماعي والحد من عدم المساواة في الدخل، أمر بالغ الأهمية خاصة في ضوء الاضطرابات الاقتصادية العالمية مع الاخذ في الاعتبار ان هناك فرق مهم – وفقا لخبراء عالميين - بين الأزمة المالية العالمية لعام 2008 وصدمات العرض السلبية التي قد تضرب الاقتصاد العالمي قريبًا، لأن الأولى كانت صدمة سلبية كبيرة في إجمالي الطلب أدت إلى تراجع النمو والتضخم وقوبلت بحوافز نقدية ومالية لكن هذه المرة، سيواجه العالم صدمات سلبية مستمرة في العرض تتطلب نوعًا مختلفًا جدًا من استجابة السياسة على المدى المتوسط، ومحاولة وقف الضرر عبر التحفيز النقدي والمالي غير المتناهي لن تكون خيارًا معقولًا. النموذج الاكثر وضوحا الذي عكسة التقرير هو تاثيرات الحرب التجارية الامريكية علي التنافسية فالولايات المتحدة انتقلت إلى المرتبة الثانية بعد سنغافورة في قدرتها التنافسية، لأسباب عدة أهمها الحروب التجارية التي يخوضها الرئيس دونالد ترمب و في التقرير «مع أن الولايات المتحدة تبقى قوة قادرة على الابتكار» وثاني اقتصاد في قدرتها التنافسية، بدأت تظهر بعض المؤشرات المقلقة ، في المقابل حصلت سنغافورة على 84.8 نقطة من أصل مائة و احتلت المركز الاول . ولفت المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن هذا البلد استفاد إلى حد كبير من انتقال الملاحة التجارية إلى مرافئه بسبب الحروب الجمركية 

تحليل موقف مصر في مؤشرات التنافسية 2019

حسّنت مصر من قدرتها التنافسية خلال العام الماضي في أكثر من 60 مؤشراً من أصل 103 تُقاس في تقرير التنافسية العالمية 2019 التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي وكان الأداء المصري قد شهد تحسناً بمعدّل نقطة واحدة خلال العام المنصرم، لتحلّ مصر في المرتبة 93عالمياً من 141 دولة، مقارنة بالمركز الـ94 في العام الماضي ، و أظهر التقرير ترتيب مصر في عدد من المؤشرات الفرعية، حيث أظهرت تحسنًا في عدد من المؤشرات. رؤية لتحسين مؤشرات التنافسية 2019 نتائج التقرير تعكس الأوضاع منذ نحو عام، ولم تعكس النتائج الاقتصادية الإيجابية التي تحققت خلال الأشهر الثمانية الماضية .فرغم التحسن المستمر في ترتيب مصر في مؤشر التنافسية العالمية، إلا أن التقرير لم يأخذ في الاعتبار الكثير من الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الحكومة المصرية، ومن المتوقع أن يتم الأخذ بها في السنوات المقبلة الا أن التقرير يعد حافزا لتحديد نقاط الضعف للعمل على إصلاحها .

هناك أهمية لمواصلة التحول الهيكلي لخلق بيئة أعمال مواتية للمنافسة، وتعزيز دور القطاع الخاص ليكون قادرا على توليد وظائف أكثر وأفضل، مع تحسن البيئة العامة للاقتصاد الكلي في مصر كما يجب ان تعمل مصر علي تحفيز الاستثمار الداخلي مع الأجنبي في ظل عدم وضوح الرؤية بالنسبة لحركة التجارة العالمية و الاستثمارات ، فيجب التركيز علي الصناعات التي يتم استهلاك مخرجاتها داخليا مع عدم إغفال الصناعات التصديرية حتى لا يتأثر الميزان التجاري و سعر صرف الجنيه المصري، خاصة اذا ما وضعنا في اعتبارنا ان حدوث أزمة اقتصادية من الممكن جدا ان يؤثر علي استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية وهو ما قد يؤدي الي العودة الي نفس الأزمة السابقة اذا لم يتم تحفيز عموما الإنتاج و خاصة الاستثمار الرأسمالي . كما يتطلب تحسين ترتيب مصر في مؤشر التنافسية العالمية المزيد من الجهود الإصلاحية من الحكومة و في الجزء الخاص بالإصلاح المؤسسي والقضاء على البيروقراطية و مشاكل سوق العمل و الحوافز الاقتصادية وجودة الخدمات مما يستدعي مواصلة الجهود وإطلاق المبادرات التي تصب في دفع مسيرة التنمية الاقتصادية قدماً وتعزز تنافسية الاقتصاد وفق معايير التنوع والاستدامة والمعرفة والابتكار والتكنولوجيا والبحث العلمي مع الإسراع بإصدار قانون المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر؛ لتحفيز الاقتصاد غير الرسمى للانضمام للمنظومة الرسمية، و سرعة البت فى الإجراءات القضائية لتحقيق مبدأ العدالة الناجزة، و استبدال التشريعات العديدة الخاصة بالأراضى بقانون موحد ومبسط لإدارة أراضى الدولة. بجانب زيادة مخصصات هيئة التنمية الصناعية من الأراضى لطرحها على المستثمرين وفق آليات موضوعية وشفافة. هناك ايضا ضرورة التركيز علي جذب استثمارات في الصناعات التكنولوجية لتصنيع منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة، والاهتمام بالتعليم الفني واستحداث مدارس ومعاهد فنية مؤهلة لسوق العمل تتناسب مع أنواع الصناعات التي تسعى مصر لتوطينها وتحقيق ميزة تنافسية بها، وتطوير منظومة النقل البرى والاستفادة من السكك الحديدية في عملية نقل البضائع لتقليل التكلفة. مؤشرات التقرير تكشف عن انه ينبغي على مصر تعزيز محركات نمو اقتصادي جديدة وتكثيف الإصلاحات الاقتصادية مع التاكيد علي ان مصر لديها هامش مناورة كبير لمواصلة آلية النهوض الاقتصادي "فالمحركات القديمة للنمو تتاثر" لهذا تبرز أهمية تعزيز الابتكار وتشجيع التكنولوجيات الجديدة – ولا سيما لتطوير الاقتصاد الرقمي وهو في خضم نموه حاليا مع ضرورة إلغاء العقبات التي لا تزال موجودة في الاقتصاد وتخفيف العقبات أمام المنافسة في السوق مع الاهتمام بتقديم دعم أكبر للشركات الصغيرة و المتوسطه و تدعيم سلاسل القيمة بصورة اكبر و تقديم محفزات لها .

الموقف الاقتصادي المصري يحتاج الي مراجعه بعض النقاط الجوهرية مثل اتباع سياسات تحفيزية لعدد من القطاعات الاقتصادية و السعي لاستراتيجية توسعية لتنمية الصادرات و الحد من تنامي الواردات مع السعي لزيادة معدلات اجتذاب الاستثمارات و الاستمرار في تنشيط السياحه مع اجراء تعديل جوهري في سياسات الاقراض المصرفي و وضع الية لانهاء التعثر خاصة في المصانع ذات الاصول الانتاجية . ينبغي ادراك ان التحدي الأساس للاستثمار ليس في الحصول فقط على ترتيبات متقدمة في مؤشرات التنافسية و لكن في تحقيق التحسن المستمر في هذه الجوانب، مع ادراك حقيقة تدفق الاستثمارات للاقتصاد، فرغم أن المؤشرات قد تقدم انطباعا جيدا ، إلا أن الأهمية الحقيقية تكمن في قدرات الاقتصاد نفسه على منح المستثمرين عوائد ايجابية في ظل مناخ استثماري محفز مع وضع الخطط والسياسات التي تساعد على الابتكار وتوطين التكنولوجيا ، وذلك بالتركيز على تطوير البحث العلمي .

اننا نقترب الان من الموجة الثانية من الإصلاحات الاقتصادية، و التي تستهدف إطلاق طاقات الاستثمار، وتتوسع في برامج الحماية الاجتماعية فالموجة الثانية تختلف عن الأولى، لأنها تحتاج إلى إصلاح المناخ المؤسسي وتحتاج أيضًا إلى تطوير دور الدولة في النشاط الاقتصادي بجانب التوسع في الشراكات مع القطاع الخاص فالإصلاح في مجالات مثل الحوكمة والتمويل المحلي والخارجي والتجارة و أسواق المنتجات والعمالة قد يحقق مكاسب على المدى المتوسط و هي اصلاحات لا يستلزم معها تكاليف اقتصادية كلية قصيرة الأجل ويمكن أن تتحقق مكاسب كبيرة في الإنتاج والعمالة على المدى المتوسط إلى الطويل .

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015