النيل في مصر "حابي" المُقدس يفيض بدموع "أيزيس" ليحيا الشعب
الخميس 05 نوفمبر 2020 -01:40
محمد أبو أحمد يكتب النيل في مصر القديمة.. "حابي" المُقدس يفيض بدموع "أيزيس" ليحيا الشعب


يمثل النيل شريان الحياة عند المصريين القدماء ولا يزال على العهد مع شعبها على مر الأزمنة، ولكن اختلفت مكانته كثيراً عند أجدادنا قدماء المصرييين الذين قدسوه، وأولوه احترامًا عقائديًا؛ لأنه ينجيهم من المهالك، وأطلقوا عليه عددًا من التسميات أبرزها "حعبي" او " حابي " وهو الاسم المقدس، الذي يفيض عليهم فيعم السرور في أراضيهم، وتفزع القلوب لتأخره خوفًا من الدمار في اعتقادهم.
موحد ومنظم اجتماعي
بحسب ما ذكر في العديد من الأبحاث عن "مصر الفرعونية"  فأن المصريون القُدماء احترموا النيل احترامًا اعتقاديًا؛ لاعتباره سببًا أساسي في الحفاظ على أرواحهم من مهالك القحط والجفاف، .. واستحكام الضيق، وكان العامة والخاصة من الناس مُقبلين على الزراعة والاعتناء بها أكثر من كل شىء".
كما أن النيل فرض على المُجتمع المصري صفتي الوحدة والنظام، و فائدته لم تكُن قاصرة على ري الأراضي، ودائمًا ما جعل الناس يعيشون أمرين متناقضين فيما بينهما ألا وهما الفائدة والمُشتركة والخطر المُشترك في نفس الوقت، وذلك في مواجهة الفيضان الذي يهدد سكان واديه جميعهم.
قداسة وتسميات
وقدس المصريون القُدماء نهر النيل، وبحسب ما ذكر أنطون ذكرى في كتابه "النيل في عهد الفراعنة والعرب"، أن المصري القديم أطلق عليه تسميات كثيرة، منها "حعبي" وهو الاسم المُقدس لديهم الذي وُجد منقوشًا على حجر "كانوب"، ودونت تحته جملة "إن النيل حعبي نقص نقصًا عظيمًا في عهد الملك بطليموس"، لافتًا أن كلمة "نيل" مأخوذة من الكلمة اليونانية ذاتها؛ أي نهر.

وأورد العالم الألماني هنري بوركش في  قاموسه الجغرافي أن عامة الشعب المصري القديم أطلق على  النيل اسم "آيور" وهي كلمة مُشتقة من كلمة "اور" المنقوشة على مسلة اسكندر ذي القرنين، مُضيفًا أنها وردت في اللغة القبطية بلفظ "يور"، أي نهر، كما ذُكر النيل باسم "آيور" في سفر الخروج بالتوراة .

وأضاف انطوني أنه ورد باسم "وعر" والتي قال هنري بروكش أنها تُعني بالمصرية القديمة المياة الغزيرة وقت الفيضان، بينما قال العالم  لباج رينوف أنه ورد باسم "عرتي"، وأن هذا الاسم يُشبه كثيرًا الفعل "ار"، والذي يُعني بالمصرية القديمة "صعد".
فيض حتى نفرح
وربط الشعب المصري القديم بين النيل وبين عقائده وعباداته، بحسب ما ذكر المؤرخ اليوناني الجغارفي "بوزانياس"، أن المصريون القدماء اعتبروا فيضان النيل ما هو إلا مجموعة من دموع الإلهه "إيزيس"، كما نُسب النيل في الكثير من النصوص التي دونها المصري القديم على المعابد وفي البرديات إلى "إيزيس" ومعبود آخر شبيه بها اسمه "سوتيس".

ويقول انطوني اعتقد المصريون أن الفيضان واقع بأمر إلهي، ودائمًا ما انتظروا أشهر فيضان النيل بشغف، وإن تأخر قليلًا لسبب غير متوقع فزعت القلوب وخافوا من الدمار ، وتكسد الأعمال وتنتشر الأوبئة، وتفتك بالناس فتكًا..، وحينما يأتي الفيضان تسكن تلك المخاوف وترتفع الشرور ويستقبل الناس أسباب سعادتهم، ووسائل رزقهم بالنشاط والبشاشة،.. ويعم الفرح القلوب إلى درجة تقل معها الوفيات، ..وتُقام للفيضان مظاهر الاحتفاء كأكبر الأعياد"
نهر النيل عند المصريين عبر التاريخ ...
«إله» للفراعنة.. و«صلاة» للأقباط .. و«نهر من الجنة» عند المسلمين...
«نهر الحياة»، «النهر المقدس»، «نيل الجنة» كلها أوصاف أطلقها المصريون على النهر الخالد منذ بدايات التاريخ، لكن الوضع الحالى يوضح كيف تحول النهر الذى عبده الفراعنة وصلت لأجله الكنائس واعتبره المسلمون من أنهار الجنة إلى الاهمال حاليا. لم يقف النهر صامتا إزاء هذا التحول فبعد أن كان «مصدر الخير» حولته الممارسات إلى أبرز مصادر الكثير من الامراض.
فى عصر الفراعنة كان ماء النيل جزءاً أساسياً من طقوس العبادات وغسل الموتى، وتغنى المصريون القدماء بـ«النهر المقدس»، وجعلوا له عددا من الأرباب والربات، من بينهم «حابى» و«سوبيك» أو (الرب التمساح)، الذى كان يعبد فى إسنا وكوم أمبو والفيوم. و«خنوم» رب الفيضان والخلق، والربة «ساتت» زوجة «خنوم». وكانت «حكت»، الربة الضفدع، هى ربة المياه عند الفراعنة.
صلى المصريون لرب النيل وشكروه على كل النعم التى منحها للناس، خاصة أثناء الاحتفال بالفيضان، قائلين: «الحمد لك يا أيها النيل الذى يخرج من الأرض ويأتى ليطعم مصر، تلك المياه والرياض التى خلقها رع لتطعم كل القطعان. والتى تروى أرض الصحراء البعيدة عن الماء، إنها نداه الذى يسقط من السماء».

" الهة النيل"  في مصر القديمة
أشهر آلهة النيل فهو « حعبي »، أو «حابي»، الذى كان يمثل «روح النيل وجوهره الحراكي، وكان هو فيضان المياه النابعة من نون أى رقعة المياه الأزلية المترامية الأطراف التى أقصيت عند الخليقة إلى حافة العالم والتى كان نهرها هو المجرى الدائم واهب الحياة.
وكانت صلوات المصريين القدماء لذلك الإله تقول: حابى أبو الآلهة الذى يغذى ويطعم ويجلب المؤونة لمصر كلها، الذى يهب كل فرد الحياة فى اسم قرينه (الكا) ويأتى الخير فى طريقه والغذاء عند بنانه ويجلب مجيؤه البهجة لكل إنسان، إنك فريد، أنت الذى خلقت نفسك من نفسك ودون أن يعرف أى مخلوق جوهرك، غير أن كل انسان يبتهج فى اليوم الذى تخرج فيه من كهفك.
 وكانت الطقوس الدينية تقام كل عام عند أسوان وقرب القاهرة الحالية بقذف الكعك وحيوانات الضحية والفاكهة والتمائم لتثير قوة الفيضان وتحافظ عليها، وكذلك تماثيل الإناث لتثير إخصاب (شهوة) النيل العظيم فيفيض فى أمواج عاتية وينثر نفسه خلال المملكة معطيا الحياة للأرض.).
وكانت هناك واحدة من الإلهات الرئيسية فى مصر ترتبط بفيضان النيل وهى الإلهة إيزيس أو عيزى أو «إيست» أو «الست» باللغة الدارجة والذى صار يطلق على أى سيدة رائدة أو قوية أو عظيمة حتى فى العصر الحديث مثل سيدة الغناء العربى أم كلثوم التى كان يطلق عليها «الست».
 وكان لتلك الإلهة عيد سنوى فى شهر بؤونة من كل عام - يقع فى شهر يونيو - يسمى «ليلة الدموع» فى ذكرى انهمار دموع «إيست» (إيزيس) حزنا على مصرع زوجها الإله عوزير على يد أخيه «ست» إله الشر، وتؤدى تلك الدموع الإلهية إلى حدوث الفيضان الذى يغمر أرض مصر بالمياه ويشكل سبب نماء محاصيلها وثرائها.
وهناك أسطورة أخرى تربط اثنين من أشهر آلهة مصر القديمة بالفيضان، وهما هور (حورس) رب الانتقام (الثأر) والوراثة الشرعية للعرش الملكي، وهاتهور (حاتحور) إلهة الحب والجمال والطرب والموسيقى وربة الجميزة سيدة الأشجار وإلهة الحرب فى آن واحد.
 وتقول الأسطورة أن هاتهور التى يوجد مركز عبادتها الرئيسى فى بلدة دندرة بمحافظة قنا حاليا، كانت زوجة للإله هور الذى يوجد مركز عبادته فى إدفو بمحافظة أسوان حاليا.
ولم تكن هاتهور تزور هور إلا مرة واحدة كل عام وذلك فى شهر أبيب وهو الذى يوافق النصف الأخير من يوليو والنصف الأول من أغسطس غالبا، ومع لقاء الاله هور بإلهة الحب والجمال هاتهور فيما كان المصريون يسمونه «الاجتماع الطيب» كان فيضان النيل يبدأ من «الاجتماع الطيب» بين مياه الفيضان وبين أرض مصر عقب لقاء الإلهين هور وهاتهور كان الخير والنماء يعمان أرض مصر.
وقد ارتبط جزء مهم من الإبداع الأدبى للمصريين القدماء بنهر النيل، فى صورة أساطير وقصص وأشعار وأغان. وتقول أنشودة الفرح بالفيضان : »
من يشاهدون النيل (عوزير) فى تمام فيضانه يرتعدون (فرقا)
أما الحقول فإنها تضحك وجسور النيل تغمرها المياه
ومن ثم تنزل موائد الآلهة وتشرق وجوه القوم وتبتهج قلوب الآلهة.
وتقول هذه الأنشودة فى موضع آخر:   
المجد لك أيها النيل الذى ينبع من الأرض ويحمل الخير لمصر
وعندما تفيض يعم الفرح البلاد
أنت تطفح فتسقى الحقول وتنعش القطعان وتمد الناس بالقوة
اذا تأخرت بنعمك توقف دولاب الحياة
واذا غضبت حل الذعر فى البلاد
يا سيد الأسماك ومنبت القمح والشعير والذرة
أنت الذى يخلق كل جميل
الشباب والأولاد فرحون جذلون
يحبونك أيها الملك.
 

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

أحدث الاخبـــار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015